متى ينتهي النزاع القانوني بين الكنيستين "الإنجيلية" و"الأسقفية" في مصر؟ بقلم أ. بيتر مجدي

يجمع الكنيستان البرتستانتية (الإنجيلية) والإنجليكانية (الأسقفية)، ظروفا واحدة في النشأة في القرن السادس عشر بين أعوام 1530م و1534م بعدما انفصلت كل منهما عن كنيسة روما الكاثوليكية، وفي مصر يجمعهما حاليًا علاقة من نوع مختلف فرغم أن كل كنيسة منهما مستقلة إلا أن هناك وضع قانوني معقد ونزاع قضائي بين الكنيستين في مصر، لازال مستمرا أمام دوائر القضاء المصري المختلفة.

ماذا قالت كل كنيسة عن وضعها القانوني وعلاقتها بالأخرى؟

في تقرير سابق عرض "سات7" وجهة نظر كل كنيسة من خلال بيانات رسمية صدرت عنهما بعد صدور حكم من المحكمة الإدارية العليا بمصر في 18 يوليو/ تموز الماضي، وذكر بيان للكنيسة الإسقفية/ الإنجليكانية في مصر أنه بدأت خدمة الكنيسة الأسقفية/ الأنجليكانية بمصر في بداية القرن التاسع عشر. وتم الاعتراف بها رسميًا في 1839، عندما منح محمد علي باشا، والي مصر في ذلك الوقت، قطعة أرض بمدينة الإسكندرية لبناء أول كنيسة أسقفية/ أنجليكانية في هذه المدينة العريقة، وهي كاتدرائية القديس مرقس.

وأضاف البيان أنه منذ ذلك الحين، تعترف الحكومة المصرية بالكنيسة الأسقفية/ الأنجليكانية ككنيسة دولية مقر قيادتها في كانتربري بإنجلترا. وقد صدرت مجموعة من القرارات الملكية والجمهورية ببناء كنائس الطائفة، آخرها عام 2002، ومنها قانون 44 لسنة 1928 والصادر من مجلس النواب المصرى لإنشاء كاتدرائية جميع القديسين في مدينة القاهرة. وفي الوقت الحالي إيبارشية الكنيسة الأسقفية في مصر، تتبع إقليم الإسكندرية، وهو أحد أقاليم اتحاد الكنائس الأسقفية/ الأنجليكانية في العالم، والتي تعتبر ثالث أكبر طائفة مسيحية في العالم حيث يبلغ عدد أتباعها 90 مليوناً منتشرين فى 164 دولة من العالم. بينما نشأت الطائفة الإنجيلية عام 1902م، ككنيسة محلية فقط ليس لها رئاسة خارج القطر مثل الكنيسة الاسقفية/ الأنجليكانية والتي تم الاعتراف بها قبل الطائفة الإنجيلية بـ 63 عامًا.

وفي بيان رسمي أخر صدر عن الطائفة الإنجيلية ذكر المستشار القانوني لرئاسة الطائفة يوسف طلعت أن "الكنيسة الأسقفية منذ عام 1940 هي التي طلبت الانضمام للطائفة الإنجيلية ولم تسع الطائفة الإنجيلية إلى ضم الكنيسة الأسقفية مطلقا، وهذا كله واضح ومثبت بموجب الخطابات الرسمية الصادرة في ذلك الوقت من رؤساء الكنيسة الأسقفية المتعاقبين على رئاستها منذ وجودها في مصر وحتى تولي المطران/ منير حنا رئاسة الكنيسة (وهنا لا يمكن لأي شخص أن ينكر على رؤساء الكنيسة الأسقفية الأولين حرصهم على مصلحة الكنيسة الأسقفية وعلمهم أيضا لطبيعة تكوين الكنيسة الأسقفية وأنها تتبع كنائس أخرى في أي مكان أم لا، وإلا ما كانوا تقدموا بهذا الطلب للانضمام إلى الطائفة الإنجيلية.. فهل جميعهم كانوا مخطئين ولا يعلموا بطبيعة تكوين ونشأة الكنيسة الأسقفية ويتم تصويب خطأهم الآن بعد مرور أكثر من 65 عاما!!".

 وأضاف طلعت أن "الطائفة الإنجيلية يتبعها عدد 18 مذهب إنجيلي من ضمنهم بالطبع الكنيسة الأسقفية، وقد أوضحنا سابقا بوجود عدد من هذه المذاهب الإنجيلية التي لها علاقة روحية واتحاد في بعض المعتقدات والطقوس مع كنائس عالمية موجودة في كثير من الدول حول العالم، بل وأن هذه المذاهب تتعدى وتتخطى عدد أتباعها وعدد كنائسها في مصر ما لدى الكنيسة الأسقفية بأضعاف".

التطورات الأخيرة

في ٢٦ سبتمبر/ أيلول الماضي صدر حكم جديد في إحدى القضايا القائمة بين الكنيستين خرجت كل منهما لتوضح موقفها حيث ذكرة الطائفة الإنجيلية في بيان أن "القضاء الإداري رفض دعاوى الأسقفية ويقضي بعدم جواز استقلالها عن الطائفة الإنجيلية، وهي واحدة من الدعاوى المرفوعة من المطران منير حنا، مطران الكنيسة الأسقفية، باعتبارها أحد المذاهب الإنجيلية والتابعة للطائفة الإنجيلية، وقد أقامها كحلقة من حلقات النزاع القضائى القائم منذ عام ٢٠٠٠، من وقت أن قرر المطران منير حنا بشكل منفرد، ولأسبابه الخاصة أن يستقل عن الطائفة الإنجيلية، ويطلب الاعتراف به كرئيس طائفة مستقلة، أسوة برؤساء الكنائس الرئيسية فى مصر".

وصرح المستشار القانوني لرئاسة الطائفة الإنجيلية، يوسف طلعت أن "المطران منير حنا قام برفع الدعوى رقم ١٩٨٤٧ لسنة ٧٢ ق قضاء إداري، ضد رئيس الجمهورية بصفته، ووزير الداخلية ورئيس الطائفة الإنجيلية في مصر، طالبًا الحكم بمنح الكنيسة الأسقفية الشخصية الاعتبارية تمهيدًا لانفصالها عن الطائفة الإنجيلية، وقد قضت المحكمة بجلسة ٢٦/ ٩/ ٢٠٢٠ برفض الدعوى ورفض الاعتراف بالشخصية الاعتبارية للكنيسة الأسقفية في مصر كطائفة مسيحية مستقلة وعدم جواز فصلها عن الطائفة الإنجيلية".

وأضاف أن هناك "دعوى ثانية أقامها محامي الكنيسة الأسقفية وعضو سنودس الكنيسة الأسقفية ضد السيد/ وزير الداخلية بصفته، والسيد/ رئيس الطائفة الإنجيلية، والمقيدة برقم ٣٣٢٥ لسنة ٧٢ ق قضاء إداري، والتي كان قد أقامها طالبًا فيها بطلان قرار وزير الداخلية رقم ٥٦٧٧ لسنة ١٩٩١ بالتصديق على اللائحة الداخلية للمجلس الإنجيلي العام، وقد صدر الحكم بجلسة ٢٦/ ٩/ ٢٠٢٠ وقضت المحكمة برفض الدعوى أيضًا".

بينما قال المطران منير حنا، رئيس أساقفة الكنيسة الأسقفية/ الإنجليكانية في مصر وشمال إفريقيا إنه "ماضون في طريق القضاء لاسترداد حقنا ككنيسة مستقلة"، مضيفا أن "مجلس الدولة قضى بعدم نظر دعوى بطلان انضمام الكنيسة الأسقفية للطائفة الإنجيلية أمس إذ امتنع عن النظر في مستندات جديدة أهمها حكم المحكمة الإدارية العليا رقم ٩٦٢ لعام ٨٦ الذى نص على عدم جواز انضمام الكنيسة الاسقفية للطائفة الانجيلية لمخالفة ذلك للأمر العالى الخاص بإنشاء الطائفة الانجيلية والذى صدر عام ١٩٠٢، فقد تم تقديم هذه المستندات من قبل الكنيسة الأسقفية  بينما رفضت المحكمة النظر لها وذلك استنادًا إلى أن تلك الدعوى تم الفصل فيها من قبل"، مشددًا على احترام الكنيسة لأحكام القضاء.

وأضاف أنه "سنطعن على هذا الحكم أمام المحكمة الإدارية العليا وسنطالب بحقنا في النظر إلى الأوراق الجديدة التي قدمناها لإثبات عدم تبعية كنيستنا إداريًا وروحيًا للطائفة الإنجيلية في مصر كما كان الحال طوال مئتي عام منذ بداية خدمة الكنيسة الأسقفية".

وأوضح أن إقليم الإسكندرية للكنيسة الأسقفية هو الإقليم الـ41 لهذه الكنيسة حول العالم ويضم تحت رئاسته 10 دول في مصر وشمال إفريقيا ويخضع لرئاسة رئيس أساقفة كانتربري ويتبع اتحاد الكنائس الأنجليكانية في العالم.

خطاب للبابا تواضروس الثاني

الدعوى الأخيرة التي نطق القضائ بالحكم بها في يوم 26 سبتمبر/ أيلول اختصم فيها المطران منير حنا رئيس جمهورية مصر بصفته من أجل الحصول على اعتراف بكون كنيسته مستقلة، وهو ما يوضح سبب هذ الخطاب الموجه من قبل البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، إلى رئيس الجمهورية يخبره بالوضع التاريخي والقانوني للكنيسة الأسقفية/ الأنجليكانية في مصر.

وقال البابا تواضروس في الخطاب "فخامة السيد الرئيس/ عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية تحية واحتراما لفخامتكم.. أود أن أقدم لفخامتكم شرحًا لوضع الكنيسة الأسقفية (الأنجليكانية) في مصر وشمال إفريقيا والقرن الإفريقي وعلاقتها بالطائفة الإنجيلية في خمس نقاط موجزة":

وتابع البابا تواضروس:

1-   هذه الكنيسة نشأت رسميًا على أرض مصر عام 1839 عندما منحها محمد علي باشا قطعة أرض لبناء أول كنيسة لها بالإسكندرية.

2-   هذه الكنيسة جزء من كيان عالمي يسمى شركة الكنائس الأسقفية (الأنجليكانية) في العالم ويشمل 85 مليون عضو ومنتشرة في 164 دولة والرئيس الروحي لها هو رئيس أساقفة كانتربري بانجلترا.

3-   هذه الكنيسة لها كتب صلوات كنسية مع سمات عقائدية خاصة بها ولا تشترك مع أي من الطوائف الإنجليلة الأخرى.

4-   هذه الكنيسة لها عضوية مستقلة في مجلس الكنائس العالمي (WCC) ومجلس كنائس مصر (ECC) وأيضا في بيت العائلة المصرية مع الأزهر الشريف.

5-   هذه الكنيسة كائنة قبل صدور الفرمان الخاص بإنشاء الطائفة الإنجيلية عام 1902م.

وأضاف البابا تواضروس "والخلاصة الكنيسة الأسقفية (الأنجليكانية) في مصر لا تتبع أي من الكنائس المكونة للعائلة الإنجيلية، وهي مستقلة بذاتها، تاريخيا وإداريًا وكنسيًا، ولها رئاسة روحية ممثلة في رئيس أساقفة كانتربي في انجلترا، ويتبعه المطران منير حنا في رئاسة إيبارشية مصر وشمال إفريقيا والقرن الإفريقي. والكنيسة القبطية تتعامل معها ككنيسة مستقلة تمامًا مثل الكنائس الكاثوليكية والبروتستانتية في العالم. أرجو أن يكون هذا التوضيح كافيا لإقرار وضع الكنيسة الأسقفية (الأنجليكانية) في مصر. ونتمنى لسيادتكم كل التوفيق والنجاح الدائة وموفور الصحة والسعادة".

ومع استمرار وجود بعض القضايا بين الكنيستين السقفية والإنجيلية هل يمكن حل الأمر بينهما بشكل ودي بعيدا عن المحاكم والبيانات المتبادلة أم سيظل الوضع هكذا؟